السيد كاظم الحائري
543
تزكية النفس
الثالث : الشجاعة والجرأة والإقدام على المخاطر في حدودها الشرعيّة من ناحية ، وحالة الخوف والتذلّل أمام اللّه والخضوع والخشوع له من ناحية أخرى ، وها هو مولانا أمير المؤمنين عليه السّلام قد ضرب المثل الأعلى في ذلك ، فقد روي أنّه عليه السّلام « كان إذا حضر وقت الصلاة يتزلزل ويتلوّن ، فقيل له : مالك يا أمير المؤمنين ؟ فيقول : جاء وقت أمانة عرضها اللّه على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها » « 1 » ، ومن ناحية أخرى شجاعته وإقدامه مشهوران معروفان إلى جنب ذاك الخوف والذلّ والخشوع أمام اللّه تعالى . وعن الشيخ المفيد رحمه اللّه أنّه قال : « ومن آيات اللّه الخارقة للعادة في أمير المؤمنين عليه السّلام ، أنّه لم يعهد لأحد من مبارزة الأقران ومنازلة الأبطال ما عرف لأمير المؤمنين عليه السّلام من كثرة ذلك على مرّ الزمان ، ثم لم يوجد في ممارسي الحروب إلّا من عرته بشرّ ونيل منه بجراح أو شين ، إلّا أمير المؤمنين عليه السّلام فإنّه لم ينله مع طول مدة زمان حربه جراح من عدوه ، ولا وصل إليه أحد منهم بسوء حتّى كان من أمره مع ابن ملجم لعنه اللّه على اغتياله إيّاه ما كان . . . » « 2 » . نعم ، وإن شئت نقطة من بحر تذلّله للّه تعالى وخوفه وخشوعه بالليل ، فاستمع إلى ما وصفه ضرار أمام معاوية قال : « فأشهد باللّه لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله ، وغارت نجومه وهو قائم في محرابه ، قابض على لحيته ، يتململ تململ السليم ، ويبكي بكاء الحزين ، فكأنّي الآن أسمعه وهو يقول : يا دنيا دنيّة أبي تعرضت ؟ ! أم إليّ تشوّقت ؟ ! هيهات هيهات غرّي غيري لا حاجة لي فيك ، قد طلّقتك ثلاثا لا رجعة لي فيها . فعمرك قصير ، وخطرك يسير ، وأملك حقير . آه آه من قلّة الزاد ، وبعد السفر ، ووحشة الطريق ، وعظم المورد . فسالت دموع
--> ( 1 ) المحجة البيضاء 1 / 351 . ( 2 ) المحجة البيضاء 4 / 194 .